ابن كثير
288
البداية والنهاية
هولاكو خان بن تولى ( 1 ) خان بن جنكيز خان ملك التتار ابن ملك التتار ، وهو والد ملوكهم ، والعامة يقولون هو لاوون مثل قلاوون ، وقد كان هولاكو ملكا جبارا فاجرا كفارا لعنه الله ، قتل من المسلمين شرقا وغربا ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وسيجازيه على ذلك شر الجزاء ، كان لا يتقيد بدين من الأديان ، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصرت وكانت تفضل النصارى على سائر الخلق ، وكان هو يترامى على محبة المعقولات ، ولا يتصور منها شيئا ، وكان أهلها من أفراخ الفلاسفة لهم عنده وجاهة ومكانة ، وإنما كانت همته في تيسير مملكته وتملك البلاد شيئا فشيئا ، حتى أباده الله في هذه السنة ، وقيل في سنة ثلاث وستين ، ودفن في مدينة تلا ، لا رحمه الله ، وقام في الملك من بعده ولده أبغا خان وكان أبغا أحد إخوة عشرة ذكور . والله سبحانه أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل . ثم دخلت سنة خمس وستين وستمائة في يوم الأحد ثاني المحرم توجه الملك الظاهر من دمشق إلى الديار المصرية وصحبته العساكر المنصورة ، وقد استولت الدولة الاسلامية على بلاد سيس بكمالها ، وعلى كثير من معاقل الفرنج في هذه السنة ، وقد أرسل العساكر بين يديه إلى غزة ، وعدل هو إلى ناحية الكرك لينظر في أحوالها ، فلما كان عند بركة زيزي تصيد هنالك فسقط عن فرسه ( 2 ) فانكسرت فخذه ، فأقام هناك أياما يتداوى حتى أمكنه أن يركب في المحفة ، وسار إلى مصر فبرأت رجله في أثناء الطريق فأمكنه الركوب وحده على الفرس . ودخل القاهرة في أبهة عظيمة ، وتجمل هائل ، وقد زينت البلد ، واحتفل الناس له احتفالا عظيما ، وفرحوا بقدومه وعافيته فرحا كثيرا ، ثم في رجب ( 3 ) منها رجع من القاهرة إلى صفد ، وحفر خندقا حول قلعتها وعمل فيه بنفسه وأمرائه وجيشه وأغار على ناحية عكا ، فقتل وأسر وغنم وسلم وضربت لذلك البشائر بدمشق . وفي ثاني عشر ( 4 ) ربيع الأول صلى الظاهر بالجامع الأزهر الجمعة , ولم يكن تقام به الجمعة من زمن العبيديين إلى هذا الحين ، مع أنه أول مسجد بني بالقاهرة ، بناه جوهر القائد وأقام فيه الجمعة ، فلما بنى الحاكم جامعه حول الجمعة منه إليه ، وترك الأزهر لا جمعة فيه فصار في حكم بقية المساجد وشعث حاله وتغيرت أحواله ، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الجمعة وأمر بعمارة جامع الحسينية وكمل في سنة سبع وستين كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
--> ( 1 ) في تاريخ الذهبي : قولي خان . ( 2 ) وكان ذلك يوم الأحد ثامن المحرم ( الروض الزاهر ، ص 271 ) . ( 3 ) في الروض الزاهر : في رابع وعشرين رجب . ( 4 ) في الروض ص 277 : يوم الجمعة ثامن عشر ، وفي السلوك 1 / 556 : ثامن عشر ربيع الآخر .